قرائة في كتاب

يتطرق الأستاذ عزيز سباهي في الفصل الثامن من كتابه الى الظروف التي مر بها المندائيون بعد انتصار المسلمين على الساسانيين في معركة القادسية ( 635 م ) ودخول العراق في اطار الحكم الإسلامي ، وتعين على سكانــه، طبقا لأحكام الإسلام ، أن يعتنقوا الدين الإسلامي طوعا او كرها اذا كانوا من غير اهل الكتاب ، اما اهل الكتاب فقد فرض عليهم دفع الجزية ومنهم الصابئة . وحين فتح المسلمون العراق، كان الصابئة كثيرين، كمـا يشيــر ابن النديم، ولم يكونوا في ميسان وحدها، وانما كانوا ينتشرون في بقاع عديدة من بلاد ما بين النهرين . فعـدا مـا يشير اليه (حران كويثا)  من وجودهم في مناطق يحددها ، فإنهم تاريخيا وجدوا في حران وفي الرقة والخابـور وفي مواقع أخرى من أعالي الفرات . والعثور على أوان فخارية دونت عليها نصوص مندائية في نفر وخويبـر  (على نهر الفرات شمال المسيب) وعند سفوح جبال بشت كوه في الشرق يدلل على وجودهم في وسط العــراق ايضا عدا وجودهم في ميسان. إن هذا الانتشار الواسع لا يؤكد كثرتهم وحدها، وإنما يدلل على حقيقة أخرى ايضا هي أنهم لم يكونوا جماعة صغيرة، منغلقة على نفسها ، كما غدت من بعد، أو كما كان شأن الجماعة الناصورائية الصغيرة التي هاجرت من فلسطين الى بلاد ما بين النهرين

فعـدا مـا يشير اليه (حران كويثا)  من وجودهم في مناطق يحددها ، فإنهم تاريخيا وجدوا في حران وفي الرقة والخابـور وفي مواقع أخرى من أعالي الفرات . والعثور على أوان فخارية دونت عليها نصوص مندائية في نفر وخويبـر  (على نهر الفرات شمال المسيب) وعند سفوح جبال بشت كوه في الشرق يدلل على وجودهم في وسط العــراق ايضا عدا وجودهم في ميسان. إن هذا الانتشار الواسع لا يؤكد كثرتهم وحدها، وإنما يدلل على حقيقة أخرى ايضا هي أنهم لم يكونوا جماعة صغيرة، منغلقة على نفسها ، كما غدت من بعد، أو كما كان شأن الجماعة الناصورائية الصغيرة التي هاجرت من فلسطين الى بلاد ما بين النهرين . إنهم، كما يبدو، مروا بمرحلة كانوا فيها منفتحيـن على الآخرين، ولا يرفضون من ينتمي اليهم اذا رضى ان يعتنق دينهم ويتقيد بطقوسهم على نحو مافعل فاتك أبو ماني ، مثلاً.   حين دخل العراق القرن الثالث الهجري  (التاسع الميلادي) كان يمر بأوضاع اجتماعية وفكرية بالغة التعقيـد . كانت التناقضات الاجتماعية في المجتمع العربي الإسلامي قد بلغت من الحدة درجة دفعت إلى انفجار حركــات وصراعات  اجتماعية واسعة ومثيرة شملت  اعدادا غفيرة من الناس، وامتدت الى أقاليم شاسعة، وأحدثت أصداء مختلفة، أبرزها ثورة بابك الخرمي وثورة الزنج وحركة القرامطة . لقد هزت هذه الحركات الثلاث المجتمع مـن أساسه، ونشطت صراعا فكريا واسعا ، لا سيما في العراق، مركز الخلافة الإسلامية . وكانت ثورتا الزنج، وقبلها ثورة الزط ، قد جرتا في ذات المنطقة التي سكنها صابئيو البطائح، أي في ميسان ، لابد أن تكون قد مست حياتهم بلون أو بآخر

 ومن هذا يستنتج الكاتب بأن الصابئة آثروا الابتعاد كلية عن مجرى الأحداث دفعا للمخاطر التي قد تتهددهم وإيثارا للنجاة لاسيما وأنهم كانوا مستهدفين لضغط متصل لحملهم على اعتناق الإسلام وأن ردة فعلهــم كانت مزيدا من الانغلاق على النفس والإيغال في تصليب القشرة الطقسية لمعتقداتهم الدينية ، لاسيما أن الحركـة القرمطية قد غلفت أبعادها الاجتماعية بأغلفة دينية .

المسألة الكبيرة الثانية هي الصراع الفكري الضخم الذي شمل الخلافة الإسلامية منذ العقود الأولى لنشأة الخلافــة وانتهى الى ظهور المدارس الفكرية المختلفة والفلسفة العربية الإسلامية . ولم يكن أي مثقف في ذلك لعهــد بمنجى من تأثيرات هذا الصراع الفكري . لقد دخل علماء الصابئـة  حلبة هذا الصـراع بصفتهم من النَقلــة الأساسيين للفكر الإغريقي . ويرى الباحث  إن المثقفون الصابئة قد تأثروا من جانبهم بما أحاطهم من تقدم فكري وحضاري عام شمل الخلافة العباسية كلها ،

وأن صراعا حادا  كان يجري بين التيار المجدد والقشرة الصلبة من الدوكماتية التي كانت تحكم الطبقة الكهنوتية تعزيزها باستمرار . وإثر غزو المغول للعراق وتدهور الخلافة العباسية تشتت الصابئة الحرانيون الذين التجأ أغلبهم من قبل إلى بغداد، وآثر بعضهم العودة الى ديار مضر، ديارهم السابقة في أعالي الفرات وما بين النهرين، كما يروي محمد غرس النعمة بن هلال بن المحاسن الصابي، وانصرف آخرون إلى ممارسة الزراعة شرقي بغداد، وضمنوا لنفسهم السلامة من بعد باعتناق الإسلام،  فيما انحدر آخرون باتجاه الجنوب ليلتحقوا بأخوتهم الذين يقطنون بطائح ميسان ويحتموا بالعزلـــة هناك. ويعتقد الكاتب بأن الذي صان المجموعة وأبقاها طائفة متماسكة،  وإن أصبحت جماعة صغيرة، رغم كل ما واجهته في القرون التالية، لا سيما في العهد العثماني، من اضطهاد يصل حد الفظاظة أحيانا، ليس المزايا الروحية لمعتقداتهم الدينية، إذ أن هذه فقدت بريقها منذ زمن بعيد، وإنما الروح الدوكماتية التي فرضت نفسها على هـذه المعتقدات ، وتحولت صرامتها إلى مصدة اجتماعية حقيقية تحول دون تبعثر الجماعة، كذلك ساعدتها العزلــة الشديدة التي التجأت إليها في منطقة جغرافية مواتية تماما لهذا الانعزال حتى الثلث الأول من القرن العشريـن.

ولعل ما يجري لهذه الطائفة اليوم يماثل إلى حد ما،  ما مر بها في العهد العباسي، مع فارق أساسي : فأنها إذا كانت في الماضي قد وجدت في العزلة الصارمة ملاذاً لها تجاه الضغط الحضاري، فإنها اليوم تواجه ضغطاً حضارياً أشـد ولكن دونما فرصة أمامها للانعزال، كما فعلت في السابق، بل العكس أنها تشتت في معاقل الحضارة المعاكسـة . إن المندائية قد دخلت اليوم أزمة حقيقية يلمسها مثقفوهم.  وسواء شاء المندائيون أن يواجهوا هذه الحقيقة، أو يتغافلوا عنها، ساعين في ذات الوقت إلى دفعها والتخفيف من خطورتها من خلال "تزيينات" و "تحسينات" خاصة يدخلونها على معتقداتهم وطقوسهم الدينية، أو بعبارة أدق "عصرنتها" لتستجيب إلى مزاج العصـر، فأنهـــم سيواجهون التساؤل التالي:

إذا كانت هناك أمام طائفة المندائيين حاجة موضوعية للتماسك والاحتفاظ بتكوينتهم الخاصة التي حافظوا عليها طوال ألفي عام فعلى أي وعي يمكن أن ينهض هذا الوجود ؟ أهو ذات الوعي الديني بكل ما انطوى عليه هـذا الوعي من قيم وأخلاق وميثولوجيا وطقوس خاصة، التي هي ذاتها قد غدت في أساس الأزمة ولا تحظى بالقبول كما كانت هي الحال من قبل ؟ وهل يمكن العثور على نوع من الأساس الصلب في ثقافتهم الدينية القديمة يمكن أن ينهض عليه وعي اجتماعي وبناء روحي يستجيب لتطلعات شباب القرن الحادي العشرين بكل ما يواجهه مـن تحديات فكرية وروحية في كل الميادين ؟     

 

صفحة سابقة

صفحة تالية